آثار العالم الرقمي على الهشاشة النفسية
في عصرٍ طغى فيه التقدّم الرقمي ، أصبح بإمكانك التواصل مع شخصٍ يبعد عنك آلاف الكيلومترات برسالة نصية لا تستغرق سوى ثوانٍ معدودة
بل يمكنك أيضًا التسوّق وتصفّح مئات المتاجر بنقرة واحدة على الهاتف
لكن رغم ما تحمله مواقع التواصل الاجتماعي من منافع ، فإن أضرارها تفوق منافعها بفارقٍ شاسع
الوازع الديني
نعلم جميعًا أن أكثر من يظهرون للعالم اليوم هم من الغرب وغالبيتهم لا دين لهم أو دياناتهم ضعيفة
ينشرون العلاقات المثلية والتحوّلات الجنسية وكل ما يخالف الفطرة السليمة للإنسان
كان كثير من الناس ينكرون هذه الأفعال ويرفضون وجودها ، لكن مع كثرة تكرارها أصبح الإنكار يتلاشى وكأن الأمر بات عاديًا لأنهم “بلا دين”!
والأدهى من ذلك أن الأطفال اليوم يمتلكون هواتف ذكية وغالبيتهم يُشاهدون هذه الأمور المُدمِّرة دون رقابة للأسف الشديد
ثم نرى الذكور يتشبّهون بالنساء ، والنساء كذلك!
لا أعلم ما الذي يستفيده أحدهم حين ينشر طريقة تكحيل العين أو تركيب الرموش وهي أشياء لا تخصه أصلًا!
عندما تُزرع هذه الأشياء في الطفل منذ صغره فهي تنمو معه
أما مشاهدة المحرّمات ، فقد أصبحت للبعض عادةً يومية ، يُحلّ لنفسه متابعة الفتيات اللواتي ينشرن صورًا شخصية أو غير لائقة وكذلك الفتيات يفعلن الأمر ذاته ، ويتبادلون الردود على المنشورات ويتعمّقون في أحاديث لا أهمية لها
ومع الوقت تنشأ بينهم علاقات تحت مسمّى “حب” أو “صداقة” فمنذ متى كان هذا طبيعيًا في مجتمعٍ مسلم؟!
في زحام هذا المحتوى المتدفق ، وفي غمرة الانشغال بالـ"ترندات" ، تُمحى معالم العقيدة من النفوس ، دون إعلان أي حرب ، بل عبر تدرّجٍ ناعمٍ وخبيث
يُعرض الباطل بشكلٍ جاذب حتى يبدو مألوفًا ، ويُسخر من الأحكام الشرعية وتُجتزأ الآيات وتُعرض السخرية من الدين على أنها "حرية رأي"
فكيف بعقيدةٍ تسكن قلبًا تملأه عشرات المقاطع المتضاربة؟ كيف يُمكن للإيمان أن ينمو وسط سيلٍ من الأغاني التي تشجّع التمرد؟ والأفلام التي تُطبّع الحرام والمشاهد التي تهدم القيم في ثوانٍ معدودة! وهنا تتشوّه النفس ، ليس فقط أخلاقيًا ، بل روحيًا
وفي الإسلام ، السعادة هي طمأنينة القلب وراحة البال ، وقربٌ من الله وانشراحٌ بالرضا ، أما السعادة التي تُروَّج اليوم فهي متعٌ وقتية ، صورٌ مزيفة ، سفر ، شهرة ، حبٌّ عابر ، تُربك العقول وتُلهي الأرواح عن الحقيقة ، ثم تُخلِّفُ فراغًا مريرًا بعد زوالها
المبادئ والقيم
بات الناس يتخلّون عن مبادئهم وقيمهم سعيًا خلف الشهرة والمال ، دون إهتمام بمصدره ، فما يهمّهم هو أن يصل إليهم بأي وسيلة
قد ترى من كان يذمّ أهل الباطل ، يقلّدهم لاحقًا طمعًا في مشاهدات تفوقهم
أو فتاةً عُرفت بالحشمة ، تنشر تفاصيل جسدها طمعًا في الإعجابات والمتابعين
حتى صلة الرحم لم تعد لها تلك الأهمية ، فبعضهم يتذرّع بعبارات مثل "الأقارب عقارب" بدلًا من إصلاح ذات البين ، لم تعد هناك قيمة لمبادئهم ، وأصبحت الأرقام هي التي تحدد أفعالهم ، وهذا ما يهوي بالمجتمع إلى القاع
العلاقات الوهمية المُدمِّرة
رغم يقيننا أن هذه العلاقات مُحرَّمة ، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي تُروّج للحرام حتى نألفه ، فيهوي البعض فيه دون شعور!
ولم تُحرّم هذه العلاقات عبثًا ، فما هي إلا روابط غير مضمونة ، تُستنزف فيها مشاعر حقيقية ، والمُضحك في الأمر أنها قد تنقطع بانقطاع الكهرباء فقط!
وفي ديننا الإسلامي ، لا يجوز التحدث مع الجنس الآخر في مواضيع لا ضرورة لها
لأنها حين تتكرّر الأحاديث الجانبية ، تميل القلوب رويدًا ، وتُنسَج علاقةٌ لا يُؤمَن دوامها ، وقد تتدهور حالتك النفسية لمجرد إعجابٍ من هذا الذي تُسميه “حبيبًا” على منشورٍ لم يُعجبك ، أو لمتابعته حسابًا خاصًّا مجهول الهوية ، فتتسلّل إليك الشكوك حتى تُهشّمك بصمت
فلماذا كل هذا الحزن والأسى على شخص مبنية علاقتكما على محادثاتٍ من خلف الشاشة؟ مع أنك لو قطعت التواصل معه ، ولم يَدفعك الفضول لتفقُّد حاله لثلاثة أشهر ، لزال عنك شعورك تجاهه تمامًا!
يا لها من مصيبة أن تتأثر الحالة النفسية لمجرد إعجاب أو متابعة
بل وربما بعد نهاية علاقتكما ، يبدأ أحد الطرفين في البحث عن شخص جديد يمنحه جرعةً من المشاعر الوهمية ليتجرعها حتى يُدمنها
هذا غير الوعود الزائفة بالزواج ، التي تُبقيك في انتظار شيءٍ يستحيل أن يأتي!
مجرد الوقوع في هذه العلاقات هو مضيعة للنفس وللدين وللأخلاق وليكن بعلمك أن تجنّبها يختصر عليك ثلاثة أرباع الهموم
المقاطع القصيرة ومضيعة الوقت
في حياتي كلها ، لم أرَ شيئًا أكثر مضيعةً للوقت من هذه المقاطع القصيرة!
تدخل تطبيق “TikTok” أو “YouTube” لمشاهدة مقطع لا يتجاوز 15 ثانية ، ثم تجد نفسك تُمرّر من مقطعٍ لآخر ، حتى تكتشف أنك أهدرت أكثر من ثلاث ساعات من يومك
ولنكن واقعيين ، غالب هذه المقاطع لا فائدة منها
بل إنها تُشتِّت التركيز بشدّة ، حتى أنك لا تستطيع إكمال صفحة من كتاب أو متابعة درسٍ دون أن تنشغل ، الإدمان على هذه المقاطع يُضعف قدرتك على التركيز ويجعل عقلك يطلب المتعة السريعة ويرفض الصبر على المعرفة الحقيقية ومُتعتها
الأغاني
رغم يقيننا بأنها مُضرّة ، إلا أن من وقع فيها وعلم ضررها يجب عليه أن يُحاول تركها
لأن الإدمان عليها كالسُّم القاتل ، لكن أريد أن أخبرك ، حتى محاولاتك التي تظنّها ضعيفة تصنع فارقًا في ميزان حسناتك
وفقط أريد أن أُخبرك أن الأغاني تُدمّر النفس أكثر مما ذُكر أعلاه
فالحزينة منها تنبش في جروح الذكريات القديمة ، وتزرع في نفسك حزنًا يصعب الخروج منه
أما الصاخبة فتفجّر “الدوبامين” في الجسد حتى تظن أنك أسعد مخلوق على وجه الأرض ، ثم حين تنفد بطاريات السماعات تكتشف أنك كنت في سعادةٍ وهمية!
ولا ننسى “أحلام اليقظة” ، تلك التي تراودك وأنت مستلقٍ أو تمشي أو حتى في السيارة ، خيالاتٌ بلا سعي وبلا فائدة ويتجرع عقلك سعادةً كاذبة لأنه لا يفرّق كثيرًا بين الخيال والواقع ، فيُصدّق أنك عشت ما لم تعشه أصلًا
مع كامل الأسف أن أغلبنا واقع في هذه المعصية ، لكن مهما عدتَ للأغاني حاربها وارجع إلى ربك
فباب التوبة مفتوحٌ لم يُغلق بعد
المُقارنة
في هذا الزمن أصبح بإمكانك رؤية حياة الجميع حتى بأدق التفاصيل ، وهذا دون وعي منك يجعلك تقارن ، ليس هناك مايحطم الآمال ويُصغّر قيمة النعم أكثر من المقارنة ، فتبدأ بالمقارنة بما يمتلكون وبالذي لديك ، عائلته ، امكانياته ، تخصصه ، وظيفته ، راتبه ، الاماكن التي يسافر لها ، وهكذا تبدأ رحلة السخط على مابين يديك وكأن ماتملكه لا قيمة له
وياليتك تعلم انها لحظة مجمّلة من بين مئات اللحظات العادية فما تراه ليس سوى صور منتقاه بعناية ، فلا تعلم كم همًّا في حياة هذا الشخص ، قد يكون فاقدًا لشيءٍ أنت تمتلكه ، وليكن بعلمك انه لا يوجد اي شخص على هذا الكون لديه حياه مثالية ، هناك اشخاص تظنهم كذلك ، لكن الواقع أنهم قانعون بما قسمه الله لهم ، والرضا يُشعرهم أنهم أغنياء بما لديهم ، لذلك تراهم سعيدين ويرون انفسهم يملكون الدنيا بما فيها من ارزاق! لانهم لا ينظرون الى من هم أعلى منهم ، بل ينظرون إلى من هم في حاجه ويشكرون الله على النعم التي تحيط بهم ، لأنك عندما تقارن نفسك وحياتك بما يظهر لك في حياة الاخرين أو بالأصح بما يقررون إظهاره لك لا يزيدك سوى هم وتعاسه ويزرع فيك شعورًا بالدونية حتى تنطفئ دون ان تدري
الذكاء الاصطناعي
رغم منافعه الا انه الآفة الكبرى في مجتمعنا
لأنه يزيد الكسل ويقلل المسؤولية ، ويُحوّل عقلك إلى آلة لا تفكّر إلا في كيفية التخلص من هذا العمل بأسرع طريقة ، وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي كمنفذٍ لهذا للأسف الشديد ، الذكاء الاصطناعي يقتل الإبداع والابتكار ، ويجعل منك مع الوقت شخصية اتكالية للغاية ، لدرجة أنك لن تعرف كيف تكتب سطرًا على بعضه مستقبلًا من شدة اعتمادك عليه!
والأدهى من ذلك أن يُنسب الإبداع لغير أهله ، وكأن المسؤولية تُرمى كليًا على الآلة ويُعفى الإنسان من ذلك!
لذلك يجب الحذر ومحاولة تقليل استخدامه ، فالبعض أيضًا يستخدمه لأشياء غير قانونية كفانا الله وإياكم كل سوء
قلّة الحركة
سابقًا ، قبل العصر الرقمي ، كان الإنسان أكثر نشاطًا ، يسعى ويطلب رزقه بنفسه ، ويخرج من منزله ليشتري حاجاته ، ويقضي ساعاتٍ في المشي بين المتاجر ، يختار ويقارن ويتعامل مع الناس من حوله ، فكان ذلك نشاطًا جسديًا واجتماعيًا في آنٍ واحد
أما اليوم ، فحتى طعامك يصلك إلى منزلك بضغطة زر ، ولا حاجة للخروج من المنزل للتسوّق ، بل تتصفح المتاجر وأنت مستلقٍ على سريرك!
ورغم منافع التسوّق الإلكتروني ، إلا أنه أحد الأسباب الرئيسية في قلّة الحركة ، مما يؤدي إلى السمنة ، وزيادة الكسل ، وضعف التركيز ، والخمول
وبما أننا ذكرنا الحركة ، سأخبركم بمعلومةٍ قد تكون جديدةً على البعض:
الجسد عند كثرة الجلوس وقلّة الحركة يفسّر ذلك على أنه علامات اكتئاب ، فيُقلّل من إفراز هرمونات السعادة!
لذلك احرص على صحتك ، وحاول أن تمشي ولو نصف ساعة في اليوم لتحافظ على لياقتك وصحتك النفسية والجسدية
التقليد الأعمى - اتباع القطيع
الناس اليوم يركضون خلف ما يشتهر ، دون تأملٍ في حقيقته أو حكمه ، يقلّدون المشاهير في كلامهم ولباسهم وسلوكهم ، حتى لو خالف الدين والعقل والمنطق!
وعندما تسأل البعض عن سبب فعلهم وراء بعض التصرفات ، هل تظن أنك ستتلقى ردًا يُبيّن رأيًا نابعًا من قناعةٍ حقيقية؟ لا ، وبلا أدنى شك ستكون إجابته "كل الناس يسوون كذا ، جت علي أنا؟"
وللأسف هذا هو فخ القطيع ، الذين إذا ذُكِروا بكثرتهم في القرآن الكريم تبعتها آيات تُبين انهم لا يعلمون ، لا يشكرون ، لا يعقلون!
ولكن بسبب هوسهم بالتقليد الأعمى والركض خلف المشاهدات أُطفِئَ العقلُ وطُمِست الهوية ، والدين ، والمبادئ ، وأصبحوا في متاهةٍ يصعب الخروج منها!
يُصبح الإنسان يتشكل على حسب مايُقال له لا على حسب مايؤمن به حقًا ، وأصبحت أرقام الإعجابات والمُتابعين هي من تحدد شخصيته وأهميته ، وهو هذا الخطر الأكبر ، أن تفقد ذاتك لترضي غيرك ، وتتخلى عن قيمك لتُشبههم ، أن تمشي معهم في دربٍ مظلم لأنك فقط لا تريد أن تُستنبذ!
إياك ثم إياك ثم إياك أن تُساير هذا التيار الجارف الذي يستهين بالمحرّمات ، واحفظ دينك ، حتى لم يرك أحد ، فإن الله يراك ، واعلم أن الله لا يضيع من تمسّك بدينه في زمن الفتن ، بل يعوّضه أضعاف ما ظن أنه خسره ، وتذكر أنك كُلما تُبت مرّة -حتى وإن انتكست بعدها ألف مرّة- فإنك تقترب من الله خطوة ، والله يُحب التوّابين
أعوذُ باللهِ من الشيطان الرجيم..
﴿أَلَم يَعلَموا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبادِهِ وَيَأخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيمُ﴾
فهولاء الناس ، لن ينفعوك بشيء ، فلا هم يرزقون ولا يملكون لك نفعا ، تذكر من يُيسِّرُ لك الشدائد ويُدبِّرُ لك الأمر ، لا أحد يستحق أن تفعل المستحيل مُقابل رضاه سوى الله ، ومن لُطفِه وكرمه ورأفته بنا عز وجل فلم يأمرنا بالمستحيل ، بل مُجرد خمس صلواتٍ تنفعك أنت يا إنسان ، وياليتك تعلم أن هذه الخمس الصلوات هي السبب الأول في تيسير حياتك وانشراح صدرك وتنظيم يومك ، وأمرك الله عز وجل بصيامٍ لتهذّب نفسك ، وزكاةٍ تظنها تنفع غيرك وأنت الأكثر نفعًا في الأجر ، وصدقةٍ لتُجلِّي همك ، كُلها في صالحك ، وإن لم تفعلها فإن الله في غنى تامٍ عنك ..
لا تستهن بالذنوب لأنها من خلف الشاشات ، فالإستهانة بالذنوب تُصغّرها حتى تراها عادية ، فتُضيِّع ماتبقى من ثباتك!
وفي الختام ، تذكر أن العالم الرقمي سلاح ذو حدين ، إن أحسنت استعماله ستُسهل على نفسك الأمور
وإن اسأت ذلك فلن تضر أحدًا أكثر من نفسك
احمِ قلبك من التشويش ، وعينك من التزييف ، وعقلك من التبعية ، وسِر في طريقك واثقًا ، حتى لو كنت وحدك ، فالله معك
وحفظنا الله واياكم من كل سوء
اسأل الله لي ولكم الهداية والثبات على دين الإسلام
وأشكركم على حُسن القراءة









ماشاءالله… الموضوع جدًا عميق احسنتي وجزاك الله خيرًا ، كُل فقره كتبت تصلح تكون مقاله كامله لحالها
ما شاء الله تبارك الله، أسأل الله أن يبارك فيك وينفع بك وبعلمك.